ابن بسام

214

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

بعض أدواتك ، وأنت بين فرسان الكلام ، لم يطر لك بعدها طائر ، وكنت غرضا لكلّ حجر عابر . وأخذت للكلام أهبته [ 1 ] ، ولبست للبيان بزّته ؛ فقلت : وأنا أيضا لا أعرف على من قرأت . قال : ألمثلي يقال هذا ؟ فقلت : فكان ما ذا ؟ قال : فطارحني كتاب الخليل ، قلت : هو عندي في زنبيل ، قال : فناظرني على كتاب سيبويه . قلت : خريت الهرّة عندي عليه وعلى شرح ابن درستويه ، فقال لي : دع عنك ، أنا أبو البيان ، قلت : لاها اللّه ! إنما أنت كمغن وسط ، لا يحسن فيطرب ، ولا يسيء فيلهي ، قال : لقد علّمنيه المؤدّبون ، قلت : ليس هو من شأنهم ، إنما هو من تعليم اللّه تعالى حيث قال : الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ ( الرحمن : 3 : 4 ) ليس من شعر يفسر ، ولا أرض تكسّر [ 2 ] ، هيهات حتى يكون المسك من أنفاسك ، والعنبر من أنقاسك ، وحتى يكون مساقك عذبا ، وكلامك رطبا ، ونفسك من نفسك ، وقليبك من قلبك ؛ وحتى تتناول الوضيع فترفعه ، والرفيع / فتضعه ، والقبيح فتحسّنه ؟ ! قال : أسمعني مثالا ، قلت : حتى تصف برغوثا فتقول [ 3 ] : أسود زنجيّ ، وأهليّ وحشيّ ؛ ليس بوان ولا زمّيل ، وكأنّه جزء لا يتجزّأ من ليل ، وشونيزة [ 4 ] ، أوثبتها [ 5 ] غريزة ، أو نقطة مداد ، أو سويداء قلب قراد ، شربه عبّ ، ومشيه وثب ؛ يكمن نهاره ، ويسري ليله ؛ يدارك بطعن مؤلم ، ويستحلّ دم كلّ مسلم [ 6 ] ، مساور للأساورة ، يجر ذيله على الجبابرة ؛ يتكفر بأرفع الثّياب ، ويهتك ستر كلّ حجاب ، ولا يحفل ببواب ؛ يرد مناهل العيش العذبة ، ويصل إلى الأحراح الرّطبة ، لا يمنع منه أمير ، ولا ينفع فيه غيرة غيور ، وهو أصغر [ 7 ] كلّ حقير ، شرّه مبثوث ، وعهده منكوث ، وكذلك كل برغوث ؛ كفى بهذا نقصا للإنسان ، ودالا على قدرة الرّحمن . وحتى تصف ثعلبا فتقول [ 8 ] : أدهى من عمرو ، وأفتك من قاتل حذيفة بن بدر [ 9 ] ؛ كثير الوقائع في المسلمين ، مغرى بإراقة دماء المؤذّنين ، إذا رأى الفرصة انتهزها ، وإذا

--> [ 1 ] ب س : سكتته ( اقرأ : شكته ) . [ 2 ] تكسر : تقاس مساحتها وتقدر . [ 3 ] اليتيمة 2 : 46 ، والعطاء الجزيل : 97 . [ 4 ] الشونيزة : الحبة السوداء . [ 5 ] ط : أوثقتها . [ 6 ] اليتيمة : كل كافر ومسلم . [ 7 ] ب س واليتيمة : أحقر . [ 8 ] اليتيمة 2 : 47 ، والعطاء الجزيل : 97 . [ 9 ] قاتل حذيفة هو قيس بن زهير .